ابن حمدون

229

التذكرة الحمدونية

« 450 » - وروي أنّ رجلا من أهل مكة من بني جمح ولدت له جارية لم يولد مثلها في الحجاز حسنا ، فقال : كأني بها قد كبرت ، فنسب بها عمر بن أبي ربيعة وفضحها ونوّه باسمها كما فعل بنساء قريش ، واللَّه لا أقمت بمكة . فباع ضيعة له بالطائف ومكَّة ، ورحل بابنته إلى البصرة ، وأقام بها ، وابتاع هناك [ ضيعة ] . ونشأت ابنته من أجمل نساء زمانها . ومات أبوها ، فلم تر أحدا من بني جمح حضر جنازته ، ولا وجدت لها مسعدا [ 1 ] ، ولا عليها داخلا . فقالت لداية لها سوداء : من نحن ؟ ومن أيّ البلاد نحن ؟ فخبّرتها . فقالت : لا جرم ، واللَّه لا أقمت بهذا البلد الذي أنا فيه غريبة ! فباعت الضيعة والدار وخرجت في أيام الحجّ . وكان عمر يقدم فيعتمر في ذي القعدة ويحلّ ويلبس الحلل الوشي ، ويركب النجائب المخضوبة بالحنّاء عليها القطوع [ 2 ] والديباج ، ويسبل لمّته ويتلقّى العراقيات . فخرج لعادته فإذا قبّة مكشوفة فيها جارية كأنها القمر تعادلها جارية سوداء كالسّبجة [ 3 ] ، فقال للسوداء : من أنت ؟ ومن أين أنت يا خالة ؟ فقالت : أطال اللَّه تعبك إن كنت تسأل هذا العالم من هم ، ومن أين هم ! قال : فأخبريني عسى أن يكون لذلك شأن . قالت : نحن من أهل العراق ، فأمّا الأصل والمنشأ فمكَّة ، وقد رجعنا إلى الأصل ودخلنا مكَّة . فضحك ، فلما نظرت إلى سواد ثنيّته قالت : قد عرفناك . قال : ومن أنا ؟ قالت : عمر بن أبي ربيعة ، قال : وبم عرفتني ؟ قالت : بسواد ثنيّتك وهيئتك التي ليست إلا لقريش ، فقال : [ من الخفيف ] أصبح القلب بالجمال رهينا مقصدا يوم فارق الظاعنينا

--> « 450 » الأغاني 1 : 209 وأبيات عمر في ديوانه ( صادر ) : 425 - 426 .